خواطر خلف النافذة

كتبهاnasra sameeh ، في 17 آذار 2008 الساعة: 22:18 م

خواطر … خلف النّافذة

وقَفَت خلف زجاج النّافذة؛
تتأمّل شارعاً استلقى باستسلام أمام البناية،
هذا رجلٌ يعودُ من ساعاتِ الدّوام المضنية،
يحمل في يده كيساً من الخبز السّاخن،
حرارة الرغيف كحرارة قلبه المجهد من التّعب،
تكاد تسمع أنفاسه تحفرُ في عقله حلماً بوجبةٍ لذيذةٍ؛
وفراشٍ مريح.
وتلك امرأةٌ تهرولُ مسرعةً لتصل بيتها قبل رجوعِ زوجها،
بعد أن أنهكَت لسانها؛
بالحديث مع الجاراتِ المُجْتمِعَات في بيتِ إحداهنّ،
يُناقشنَ كلّ شئ؛
ولا شئ.
وهذا طفلٌ  يعدُو فرحاً بزِيّ المدرسةِ في اتجاهِ المنزل،
تبدو عليه سعادةُ الأسير الذي أُطلقَ سراحَه أخيراً بعد طول عذاب،
يفكّرُ كيف سيقنعُ والديه؛
بأن وجبة الغداء أقلّ أهمية من مباراة كرة القدم التي ستبدأ بعد قليل.
وتلك صبيةٌ في ريعان الصِّبا،
تكادُ أقدامُها لا تلامس الأرض من دلال مِشيتها،
تظنّ أن كلّ شباب الحيّ الآن تركوا ما بأيديهم من أشغال؛
وجعلوا من التّلصص عليها من خلف النّوافذ شغلهم الشاغل،
تتمايل بأنوثة،
وترهق حبتيّ عينيها لتتمكن من متابعة مراقبتهم دون أن تتعثر.
أمّا الشارع،

فما زال مستلقٍ في استسلام،
يدوسُه الكلّ بأقدامهم ولا يحرّك ساكن،
تسائلَت تلك المتسمّرة خلف النّافذة؛
كم مرّ عليها من وقتٍ وهي هنا
تراقبُ الشارعَ المسكين؛
وترى هوّة الفرق بينها وبينه تضيقُ كلّ يوم؟!!
كم من الوقت أمضتْهُ وهي سجينة في غرفتها ؟!!
سنتان ربما؟!!أكثر قليلاً؟!!أقلّ؟!!
كيف يحتسبُ المُعتَقَلُونَ في غياهب السّجون الوقتَ ياترى؟!!
نعم إنّها هنا منذ زمن،
منذ أن اضطرت إلى إغلاق مشروعِ صغيرِ اعتزمَت تأسيسَه،
اجتهدَت في العمل،
سعَت في ميادين المؤسسات الحكومية؛
كما يسعى الرّجالُ في ميادين القتال.
سهِرَت لتُبقي على مشروعها حيّاً نابضاً في زحمة التّنافس؛
كما يسهرُ الرّاعي ليُبقي على جذوة النيران مشتعلة في زحمة الزّمهرير.
متى وكيف استسلمت ؟!!
لا تدري.
متى أعلنت إفلاسها من كلّ قدرةٍ على الصّمود ؟!!
لا تدري.
متى أغلقت باب المشروع الغالي لآخر مرة ؟!!
أيضاً لا تدري.
كل ما تذكره هو أن اليوم الذي أغلقت فيه ذاك الباب؛
كان هو نفس اليوم الذي غلّقت فيه كل الأبواب الأخرى،
باب الأمل …
باب العمل …
باب الرّغبة في الحياة …
باب وباب وباب …. .
انبرَت على نفسها في هذه الغرفة تندبُ حظّها السّيء،
وتلوم كلّ شخصٍ وكلّ شئٍ وكلّ كلٍّ…
تُحمّلَهُم جميعاً مسؤوليةَ الفشلِ الذي مُنيّت به.
تنهدَت بعمق …
وتذكّرت أنّها في سجنها الاختياري هذا؛
لم تجد من يتفقد أحوالها ولو باتصال،
كلّ من كان يستجدي وُدّها اختفى.
عندما كانت تنثرُ البهجةَ حولها؛
وتتصدَّقُ بالابتسامات على البَشر؛
ولا تتدَّخر جهداً في مؤازرة هذا،ومساندة ذاك؛
كان الجميع يتحلّقون حولَها،
كما يتحلّقُ الأطفالُ حولَ بائعِ الحَلوى،
ينادونَه باسمه؛

يتوسلون؛

أنْ انظر إلينا؛واعطف علينا.
وإذا ما نفدَت بضاعة البائع،

انفضوا جميعاً من حوله،
ليتحلّقوا حول بائعٍ آخر،

بلا خجل ولا تأنيب ضمير.
وهل أنّب المارّونَ على  الشّارع أنفسَهُم؛
إذْ يدوسُونَه كلّ يومٍ مرة تلو الأخرى؟!!

عقدت ذراعيها أمام صدرها،
ما ذنبهم إنْ كان قد استسلم لوقعِ خطواتهم؟!!
نظرت من النّافذة…
نعم ما زال الشارع مستلقياً في استسلام.
لماذا هو مستلقٍ هكذا؛
بالرغم من أنّه لم يختَر هذا المصير؟!!
هي على الأقل اختارت هذا السّجن،
لاذت بالفرار من الجميع،
فهذا قد يَفرح لمُصابها؛

ويتلذذ بمذاق الشماتةِ المُريع،
وذاك قد يرتدي حُلّة الفلاسفة؛

ويشرعُ في الوعظِ والإرشاد،
أمّا هؤلاء فقد يجعلون منها مثلاً في سوء التّدبير والاختيار،
يضربُونه لأحبائِهم حتى لا يَكْبُونَ كَبْوَتَها.
اقتربت من النافذة،
ألصقت جبينها بزجاجها،
وامتزجَ شئٌ من دموعها؛
بشئٍ من بخارِ أنفاسها الحارّة المتكاثفة على الزّجاج البارد.
ها هو الشّارع الأبله؛
ما زال مستلقياً في استسلام.
عقدَت حاجبيها في فضول،
وزمّت شفتيها بقليلٍ من الاستياء،
ففي هذه اللحظة مرّت بالشّارع الخالي من الحركة؛
سيدة يبدو عليها بعض البعضِ الثّراء،
وكان يمشي خلفها بهدوءٍ شابٌ،
عرَفت من النّظرة الأولى أنّه ينتوي أمراً ما.
السّيدة تتحدَّث في هاتفها الخلويّ،
تحمله بين أطراف أصابعها كأنّ لا وزن له،
والشابُ الملتحفُ بوشاح صوفيّ خلفها،
يسارع الخُطى شيئاً فشيئاً.
يقترب … ويقترب … وهي لاهيةٌ في حديثها.
سبحان من وهبَهُ هذه القدرة على التّركيز والسّرعة،
ربما اكتسبهما من إدمان ألعاب البلاي ستيشن،
هذا أول ما خطر ببالها بعد أن ذهب عنها الذّهول؛
لرؤية الشاب يختطفُ الهاتفَ بيَدٍ،
والحقيبةَ المتدليةَ من ذراعِ المرأةِ باليد الأخرى،
ثم يطلق العنانَ لساقيه،
مخلّفاً ورائه امرأة حائرة بين أن تصرخ وتولول في طلب النّجدة،
وأن تحافظ على برستيجها الأنثوي الوقور،
فتتوجه صامتة دامعة العينين إلى أقرب مركز شرطة.
بعد أن رحل هذا الخاطر الأول عنها،
حلّ الخاطرُ الثّاني ثقيلاً على عقلها وقلبها،
ويح الشّارع؛

 ما زال مستلقياً في استسلام،
لم يُنكر ما حدث للتوّ،
لم يعترض،
لم يُنجد المرأة،
ولم يلفظ من باطنه حجراً يتعثرُ فيه الشابُ فيسقط،
ويحها هي أيضاً،

واجمة…

متجمّدة خلف النّافذة.
نعم …؛

إنّها ترى الحقيقة بأمّ عينيها الآن؛
إن هوّة الفرقِ بينها وبين الشّارع لا تضييق …
بل هي تلاشت،تلاشت.
وهي الآن خلف النّافذة،
ما زالت تراقب في استسلام.

***

القصة نقد لواقع البعض،ممّن يستسلمون للشّعور بالفشل،بعد الكبوات التي يتعرض لها كل مجتهد،وكل عامل،وهي ليست دعوة للإنهزام بأي حال من الأحوال،بل وصفٌ لما يختلج نفس أولئك المستسلمين

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إنّ في الفشل لعبرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر